الغزالي

9

إحياء علوم الدين

بيان جنود القلب قال الله تعالى * ( وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) * « 1 » فلله سبحانه في القلوب والأرواح وغيرها من العوالم جنود مجندة ، لا يعرف حقيقتها وتفصيل عددها إلا هو . ونحن الآن نشير إلى بعض جنود القلب ، فهو الذي يتعلق بغرضنا . وله جندان : جند يرى بالأبصار ، وجند لا يرى إلا بالبصائر . وهو في حكم الملك ، والجنود في حكم الخدم والأعوان . فهذا معنى الجند فأما جنده المشاهد بالعين ، فهو اليد والرجل ، والعين والأذن واللسان ، وسائر الأعضاء الظاهرة والباطنة ، فإن جميعها خادمة للقلب ، ومسخرة له ، فهو المتصرف فيها ، والمردد لها وقد خلقت مجبولة على طاعته ، لا تستطيع له خلافا ، ولا عليه تمردا فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت ، وإذا أمر الرجل بالحركة تحركت ، وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم . وكذا سائر الأعضاء . وتسخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه من وجه تسخير الملائكة لله تعالى ، فإنهم مجبولون على الطاعة ، لا يستطيعون له خلافا ، بل لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون . وإنما يفترقان في شيء ، وهو أن الملائكة عليهم السلام عالمة بطاعتها وامتثالها ، والأجفان تطيع القلب في الانفتاح والانطباق على سبيل التسخير ولا خبر لها من نفسها ومن طاعتها للقلب وإنما افتقر القلب إلى هذه الجنود ، من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره الذي لأجله خلق ، وهو السفر إلى الله سبحانه ، وقطع المنازل إلى لقائه . فلأجله خلقت القلوب قال الله تعالى * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * « 2 » وإنما مركبه البدن ، وزاده العلم وإنما الأسباب التي توصله إلى الزاد ما يمكنه من التزود منه ، هو العمل الصالح . وليس يمكن العبد أن يصل إلى الله سبحانه ، ما لم يسكن البدن ، ولم يجاوز الدنيا ، فإن المنزل الأدنى لا بد من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى . فالدنيا مزرعة الآخرة ، وهي منزل من منازل الهدى ، وإنما سميت دنيا لأنها أدنى المنزلتين . فاضطر إلى أن يتزود من هذا العالم ، فالبدن مركبه الذي يصل به إلى هذا العالم . فافتقر إلى تعهد البدن وحفظه . وإنما يحفظ البدن

--> « 1 » المدثر : 13 « 2 » الذاريات : 56